4177

كان كل ما أرى وكل ما أسمع يجعلني أكتب أقوم من منامي وأكتب وأقف على جانب الرصيف لأكتب لم يصل علي الطنطاوي

كلمات

عاجل
الأربعاء 7 ديسمبر 2022 - 12:43

ساهم معنا

دعماً لهذا المشروع الوطني

وحي الكتابة

وحي الكتابة

"كان كل ما أرى وكل ما أسمع يجعلني أكتب؛ أقوم من منامي وأكتب، وأقف على جانب الرصيف لأكتب "، لم يصل علي الطنطاوي رحمه الله مرحلة شغوفة كتلك إلا بعد أن وعى وجدانياً أهمية الكتابة، لقد كان يخضع لوحي الكتابة كما لو أنها قداسة من الحرام والإجرام الامتناع عنها، إن كل من لا يخضع لوحي الكتابة هو خائن، وكل من لا يركع له هو كافر بالمسلمات الوجدانية، الكتابة هي بوح العقل في لحظة انتشائه بما لا يستطيع البوح به في كامل وعيه، هي لحظة انشراح للروح الممتلئة بالأفكار التي تفيض على سطح الورقة وتتجسد كلمات، كلمات قد تمثل دواء لداء أصابنا، وقد نخالها كذلك لنكتشف لاحقاً بأنها أعظم من ذلك، عندما سجن علي عزت بيجوفيتش لاذ بالفرار إلى الكتابة، كان يعتقد أنها يمكن أن تكون دواء يخفف عنه مرارة محنته، إلا أن أثرها فاق توقعاته، لقد أعطته الحرية التي لم ينلها حتى خارج السجن، وهذا ما جعله يسترسل في كتابة مقتطفات كثيرة ليهربها إلى خارج السجن ويؤلف بها لاحقاً كتابه "هروبي إلى الحرية".

الكتابة المبدعة تولد من رحم المعاناة، لذلك ما فازت أليس مونرو بجائزة نوبل للآداب إلا بعدما ظلت دور النشر ترفض نشر كتاباتها لمدة خمسة عشر عاماً، كذلك الأكثر شيوعاً أن الإبداع عموماً يكون نتيجة لمشاعر سلبية كالحزن أكثر من الإيجابية كالسعادة، لا أروج لنشر التعاسة بالطبع، بل لاستغلالها استغلالاً حسناً لتفجير منابع طاقاتنا ومكامن إبداعاتنا .

حتى نكون قادرين على ترجمة وحينا الخاص إلى كلمات، علينا أن نمتلك معجماً شخصياً رصيناً، ولتمتلك هذا المعجم لا بد أن تقرأ، حتى تصبح كاتباً، لا بد جداً أن تكون قارئاً في المقام الأول، والقراءة ليست مجرد وسيلة نستعملها، بل حاجة نتجرعها، قرأت ذات مرة مقولة بديعة تقول إن هناك فرقاً عظيماً بين شخص متشوق يريد أن يقرأ كتاباً، وبين آخر متعب يريد كتاباً ليقرأه، رغم ذلك فإنه من المسعد والمقنع أن تجد قارئاً بين ثنايا حارة وأخرى، فالقناعة كنز لا يفنى، وليس أنكر حالاً من أن نكون أفلاطونيين نلهث خلف مثالية حتى أحلام الليل تفتقدها . وحي الكتابة هو ذاته لا يتغير مع مرور الزمن، إلا أن الترجمان هو الذي يتغير، أسلوبك الأدبي في ترجمة هذا الوحي هو الذي تغير، كنت أعبس وأتجهم خجلاً كلما قرأت نصاً قديماً كتبته لما فيه من ركاكة الأسلوب وسطحية في الأفكار، لكني اليوم ابتسم بفخر كلما حدث ذلك، لأن هذا الأمر يعني أن أسلوبي قد تطور وفكري قد نما عن ذلك الوقت، أدرك أن لحظة موتي أدبياً ستحين عندما أكف عن الخجل من سابق كتاباتي . ​

سلام على تلك الدفاتر إن لي بهن غراماً فوق كل غرام سلام عليها إن حييت وإن أمت فهذا وداع والدموع دوامي محمد الحمادي